25 décembre 2010

أدب

صدى من داخل زنزانة

زكية خيرهم الشنقيطي

كان الصدى يتردّد على مدار الساعة في تلك الغرفة المملوءة بالسواد، مفترشا قلقا مضطربا على أعقاب أزمنة الأزل، يحدث عذابات في الرّوح مع أقصى درجات الألم الحادّ المرفق بغثيان متواصل عبر سنين طويلة بداخل الزنزانة.

كان الصدى يتردّد على مدار الساعة في تلك الغرفة المملوءة بالسواد، مفترشا قلقا مضطربا على أعقاب أزمنة الأزل، يحدث عذابات في الرّوح مع أقصى درجات الألم الحادّ المرفق بغثيان متواصل عبر سنين طويلة بداخل الزنزانة. شاخت وانتهت ولم يبق إلا رجلان متدلّيان من جسد منهك وضعف في البصر. لكن فمها ما زال يعمل كما جهاز الراديو لا يتعب من ارسال كلمات وكلمات عبر الهواء. وقفت بتتثاقل متّجهة بخطوات مرتعشة تتهاوى في اضطراب إلى أن وصلت إلى باب الزنزانة. أمسكت بيدها القضبان وقهقهة تخرج من فمها معكسة صدى على الجدران. كيف يقولون عنّي مجنونة وأنا مازلت أتمتّع بكلّ حواسي. يمكنني أن أسمع من بعيد سقوط الإبرة على الأرض، واروي حكايات تشبه السّأم  وأشرب القهوة المخلوطة بتوابل النّقد والذمّ والإفتراء. هم المجانين ولست أنا. تبتعد عن القضبان وتقف في وسط  الصمت السّاكن هنيهة وعيناها جاحظتان في اتجاه الجدران الذي يقابلها وكأنها تقرأ صفحات من الذاكرة ثمّ تطلق ضحكة مجلجلة علت في فضاءات ذلك السقف المعتّم، وتتهاوى فوق الوجع ويُسُور الخوف. صحيح كنت عصبية، لكنكم لماذا ستقولون عني أنني مجنونة؟ لقد أضناني المرض، إلاّ أنّه وهبني قوّة في إحساسي. أشعلها. جعلني أسمع الأشياء .... أشياء كثيرة في الجحيم .... وأرى الشياطين ترقص على اللهيب والجنّ يعزف سانفونية النّصر .. إذا كيف أكون مجنونة وأنا باستطاعتي أن أروي لكم الحكاية بهدوء ... كلّ الحكاية. 

هم المجانين الساديون، هم من يقفزون من فوق الجدار ويتسلّقون إلى الأعالي لكنّهم يسقطون. نعم، سقطوا. تميل برأسها نحو كتفها الأيسر وتنزل دموع حارّة على خدّيها المتجعّدتين. نعم، أنا الذي أسقطتهم واحدا تلو الآخر. تضحك ... تبكي ... تصمت في شرود ومازال رأسها منحنيا على كتفها. تثقله كلماتها المخنوقة. هل تريدون أن تعرفوا كيف أسقطتهم كما ورق الخريف حين يودّع أغصان الشجر؟ تركتهم يتهاووا من الأفق ويُطرحون أشلاء على وجع أبدي. ما أجمل منظرهم يتألّمون يصرخون ... يغرقون ثم تبتلعهم موجة عاتية. تنتفض، تنظر بحذر شديد إلى يمينها وشمالها وتضع يدها على فمها لتهمس للظلمة القلقة والمرتبكة بالمجهول. سأخبركم الحكاية. نعم سأخبركم. صعب أن أفسّر لكم كيف انتابتني الفكرة. تلك الفكرة كانت تراودني ليلا نهارا. أحبّهم ... لم يؤذونني قطّ، لم يجرحونني بكلمة. لكن تحفيزهم لي كان يهبّ على جسدي كحجر من جحيم. أحدهم بالذات كان يشعل صحرائي نارا، أمّا الآخر فكانت ابتسامته الدّائمة على وجهه تؤرقني، تعذّبني. كيف يبتسم دائما؟ ألا تتعب شفتاه من الإبتسام غير راع تعثّري على بقايا سنواتي الخاوية، والثالث لا ييأس من مبارزتي.

تصمت هنيهة. تلتفت إلى باب الزنزانة، تهرول بخطوانها المتثاقلة إليها وتصرخ: "اسمعوني... أين أنتم أيها الحرّاس؟  لا تخلطوا بيني وبين شخص آخر. أنا لست طاغوتا ولا غولا. إنني نقيض ذلك الصنف من الكائنات البشرية التي كنت أحتكّ بها. أنا تلميذة إله المحبّة. لا أريد إلاّ الإصلاح. لقد كانوا فاسدين، يعثون في الأرض مرحا يتبجّحون بقيمهم المعكوسة المتناقضة للعالم الواقعي. أنسانيتهم مشوّهة ومزيّفة. تتراجع بخطواة محطّمة إلى الخلف، يقلقها التّعب، فتتّجه إلى إحدى زوايا الزنزانة تتّكأ عليها لتتهاوى على وحدتها رذاذا. تبحث عن روحها. لم تجدها. تمدّ يديها نحو الأرض وكأنّها تبحث عن شيء ... ترى يديها ممسوخة، ترفع برأسها إلى سقف الزنزانة، تراه ملوّن بالسّواد والصّمت، تشعر بالرّعب من ذلك السّواد القاتل، تحوّل عينيها بسرعة إلى الأرض وهي تحرّك رأسها في تهكّم لزمن ظلّلته الر ّياح على مختلف الجهات وحاصرته الطّرقات. تختلسها ظلمة من الشّرود نحو تاريخ الواقعة.

آه ... تذكّرت، سأخبركم كيف حدث ذلك. حسمت أمري أن أتخلّ عنهم إلى الأبد. هكذا كانت الفكرة العبقرية. لا شيء وقف أمام قراري ... يا ليتكم رأيتموني كيف تصرّفت بحكمة وبدقّة بالغتين. أخذ الأمر مني عشر سنوات من التّعب من حكاياتهم ومغامراتهم وتألّقهم وسعادتهم. أصبحت أكره كلمة "سعادة" لأنها تأتي لمن لا يستهلّها وتركتني أنا منذ الأزل. لا إنها لم تتركني ... بل تغافلت عنّي عمدا. فقرّرت أن أقتلها هي أيضا.

انتظرت تلك الليلة. لم أنم ولم يكن النّوم مشكلة بالنّسبة لي. ساعتان في اليوم تكفيني. ألم أقل لكم أنني أختلف عنهم؟ هم ينامون اللّيل كلّه حتّى الصباح. أمّا أنا حتّى النّوم يكرهني وابتعد عنّي قبل أن أولد. فكرهته هو أيضا. تصوّروا عندما يشتاق إليّ يتسلّل إلى سريري مصطحبا معه أشباحا تخنقني وتجعلني أقرأ الكتب الثلاثة جميعها لكنها تزيد من أشباحي التي تتراقص من حولي وتدخل وتخرج طليقة في بيتي وترعبني فأرمي بتلك الكتب وأختبأ تحت اللحاف متوعّدة أن أنتقم من تلك الكتب  الزائفة أيضا.

جميعهم بنصف ارتياب ونصف تهكّم، يتأرجحون بين الطّيش والصبيانية، يحدثون جلبة تنضج الأفكار وتنادي بالفضيلة، يتظاهرون الصدق وهم أكثر نفاقا وبلاهة، يتكلّمون عن الفكر ويدافعون عن الزور، يسلّمون بها سلفا، عن غريزة في قلوبهم ينخلونها، يفكّكونها، يشرّحونها. كلّهم قضاة العدل الماكر وشفعاء في الدّهاء. ما أبعدهم عن ذوق التّشجيع. يالهم من ممثلين بارعين! أسياد الغرائز وملوك الصّعلكة وأباطرة الأموال المسروقة. آذانهم صمّة وقلوبهم عمياء. نعم عمياء .... عمياااااء ....

كانت تلك الكائنات نائمة في سعادة يغطّون. استغرق الأمر ساعة من الزّمن وأنا أحاول فتح الباب، كانت يداي ترتعشان. أستطيع أن أراهم مستلقين على أسرّتهم. تابعت خطواتي بحذر شديد حتّى لا أوقظهم. ما أروع تلك اللحظات وأنا أنظر إلى قدرهم القريب بين يديّ هاتين. ترفع يديها وتتطلّع إليهما. تعتريهما طاقة كونية يديرهما طوفان من الحقد، وقوّة وشعور بالانتصار بمجرّد  التفكير بأنها هناك. كيف لهم هؤلاء الأغبياء الا يفكّرون بأنني قد أقتحم يوما نومهم وأجعله أبديا. أنني سأخنق بكلتا يدي  هدوءهم وسعادتهم وكتبهم ونومهم...كنت على وشك أن أتعثّر في ذلك الظلام الدّامس. أحدهم أحسّ بصوت خطواتي فصرخ: من هناك؟ أمسكت صمتي وهدوئي لساعة. لم أحرّك ساكنا، وبينما هم يغطّون في نوم منكوش بلون الموت الذي يرتقبهم. كنت أتنفس بصعوبة ومسدّسي بيدي ينهكه الشوق لطلق رصاصة على كلّ واحد منهم. وسط ذلك الصمت الرّهيب انتابني قلق غريب وأنا أنظر إليهم. سأبقى وحيدة إن قتلتهم. سأصاب ببرد ويدثّرني الجليد وصقيع الوحدة الرهيب.

تبتسم بمرارة وهي تنظر إليهم. لكن، لكم تبدو هادئة كلّ الأشياء حين يغادرون. غيابهم سيبقى دوما يعيش بداخلي. وسأرحّب بالحياة طوعا في الجليد وفوق الجبال الشاهقة. لا أفنّد القتل ولكن سأكتقي بوضع قفّاز وأتخلّص منهم كلّهم ... طلقة لكل واحد منهم، ويموتون في هدوء مع نومهم وكتبهم وليلهم. طق ..طق .... طق ....

كان صوت الطلقات المتتالية عبر زمن زنزانتها لا متناهيا، يمزّق طبلة أذنيها، يأكل أحشاءها، يزحف على روحها البائسة، يلبس أنفاس محنتها المتجمّدة. تضغط بكلّ ما تستطيع من قوّة بيديها على أذنيها لتحجب ذلك الصّدى اللامتناهي عن ذاكرة تتلو الشرود المذهل، عن أسئلة قاحلة بلا جواب، عن طوفان الحقد المنتشر في تلك الفسحة الذي يقتلها وجع أبدي. يمزّقها جحيم يتهاوى على وجع الخوف المحيط داخل تلك الجدران الملوّن بليل دائم والمتكئ على شروج متراخ يحاول الفرار من شبّاك الوحدة، فيسقط منهارا على أرضية مرتعشة بالجنون.

لم تكن تلك الحكاية مصادفة وإنما قصّة حقيقية عن جوانب سلوكياتنا في الحياة والتي هي مجرّد انعكاس لأفعالنا.

كاتبة ومترجمة مغربية مقيمة في النرويج

Posté par imaema à 22:09 - Commentaires [0] - Permalien [#]

Commentaires sur أدب

Nouveau commentaire